أثر

ما أفلحت إن لم أحدث أثرا

غير طريقتك في الكتابة - الخطوة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم، ذكرت في الموضوع السابق أني سأكتب عن “فن الكتابة”، وهنا البداية بعون الله، إن هي إلا إشارات سريعة ومركزة لمن يريد تغيير طريقته في الكتابة والقراءة مع، ونتيجة هذا التغيير تغير التفكير وتجعل العقل أكثر إدراكا لحقائق الامور.

تذكر جيدا:

  • لا وجود لعصا سحرية تجعلك ناجحا، المسار الصحيح  والتدريب وإعادة المحاولة وطول النفس، أمور أربعة تقودك إلى النجاح وهذا وارد في الكتابة.
  • لست مخيرا في أن تقرأ لأن وجودك مرتبط بالقراءة، ولست مخيرا في أن تكتب لأن خلودك مرتبط بالكتابة.

الحاجة للكتابة

   حاجتنا للكتابة تتعدى الرغبة، ولا أعتقد أنك تفهم ما تقرأه الآن إلا لأنك كتبت بقلم على ورق، فالكتابة كممارسة بعيدا عن الإبداع جزء أساسي في التعلم، ربما لم تكتب يوما شيئا من تأليفك انت -وهذا عيب- لكنك حتما كتبت ما كتبه المعلمون على سبوراتهم وأملوه عليك من افواههم، وهذه خطوة أولى لم يحظ بها الكثيرون.. إذن فقد اجتزت أصعب مرحلة أنت تعرف كيف تكتب.

   عقل الإنسان هذا لا يكف عن التفكير والتخيل ابدا، فكل ما تلتقطه حواسك المدركة سواء بالسمع أو بالبصر أو بالملامسة، يثير في عقلك آلاف الأفكار، فعندما تسمع صوتا عذبا من نغم الطبيعة، تتولّد في عقلك وقلبك سلسلة من الأفكار والتخيلات، قد يدفعك كلام شخص التقطته أذنك فجأة وبغير استئذان، إلى تغيير مسارك في الحياة، أو يثير في ذاتك فكرة ألمعية… أعذرني! لكن أكثر ما انفلت من عقلك، سببه أنك لا تكتب، ولنستمع إلى ابن الجوزي يحدثنا عن صيد الخاطر:

“لمّا كانت الخواطر تجول في تصفح أشياء تعرض لها ثم تعرض عنها فتذهب، كان من أولى الأمور حفظ ما يخطر لكيلا ينسى‏. وقد قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ قيدوا العلم بالكتابة‏، وكم قد خطر لي شيء فأتشاغل عن إثباته فيذهب فأتأسف عليه‏، ورأيت من نفسي أنني كلما فتحت بصر التفكر سنح له من عجائب الغيب ما لم يكن في حساب فأنثال عليه من كثيب التفهيم ما لا يجوز التفريط فيه فجعلت هذا الكتاب قيداً - لصيد الخاطر - والله ولي النفع إنه قريب مجيب‏”.

كتاباتك.. ليست لك!

   عند تصفحي لمواقع الشبكة، كثيرا أصادف نافعا شاردا، أو تخطر لي أفكار لحل مشكلة ما، وبمجرد أن تخطر أصيدها وأقيدها كتابة لألا تنفلت، فإذا اجتمعت بنات الأفكار وصيد الخاطر قلبت بينها فإذا رأيت فيها ما ينفع الناس قمت بنشره لتعم الفائدة، وهذا شكر للنعمة التي أولاك الله بها، وخير الناس من تعلم وعلم، ولا تنس أن الأفكار مهما كانت بسيطة فقد تفيد تائها في هذا العالم وإن لم تستفد منها أنت، وكما جاء في حديث رسول الله “رب مبلَّغ أوعى لها من سامع” ومعناه أن واجبك نشر الفكرة والخاطرة والفائدة،  فقد يستفيد منها غيرك وإن لم تستفد منها أنت، قد تمر على فائدة حول برمجة PHP، وأنت لست مبرمجا فما يضيرك نشرها ليتفيد منها المبرمجون.

    كذلك نمر كل يوم بتجارب في تعاملاتنا من ابسطها مع الجار والاخ والقريب، إلى تعاملاتنا الإقتصادية والصفقات، كتابة هذه التجارب وتدوينها ونشرها للآخرين، يفيد بلا شك، وقد يبدو لنا من خبر على جريدة أو في شاشة فضية وجه آخر للخبر قد لا يبدو للآخرين، تحليلنا للأحداث قد يختلف وقد يكون الاصح، وآراؤنا ومواقفنا من هذه الاحداث تختلف حسب قناعاتنا، باختصار أنت تملك الكثير فاكتبه اولا ثم انظر فإن كان ذا فائدة فلا تتردد في نشره.

تميز الكتابة وفصاحتها

   هنا بيت القصيد، نشر الفائدة بلغة لا يفهمها الناس، كالكتابة بالأسود على سبورة سوداء، وكذلك الكتابة بلغة ركيكة قد يفهم القارئ غير ما ترمي إليه، فتفسد من حيث أردت الإصلاح، لهذا كان واجبا أن تكون فصيحا في كتابتك، ولا تعقد حاجبيك وتستبعد الامر فما الفصاحة إلا البساطة، فكن بسيطا تكن فصيحا.

   جاء في كتاب البلاغة الواضحة، لعلي الجارم ومصطفى أمين، “الفصاحة: الظهور والبيان، والكلام الفصيح ما كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيد السبك. لهذا وجب أن تكون الكلمة جارية على القياس الصرفي (قواعد اللغة)، بينة في معناها، مفهومة، عذبة سلسة (..) والذوق السليم هو العمدة في معرفة حسن الكلمات وسلاستها، وتمييز ما فيها من وجوه البشاعة ومظاهر الغستكراه، ألا ترى أن كلمتي “المزنة” و”الديمة” للسحابة الممطرة سهلة عذبة.. بخلاف كلمة “البعاق” التي في معناهما”.

  في المواضيع اللاحقة أتطرق للفصاحة والتميز في الكتابة، اللغة المستخدمة لكل موضوع، والأخطاء الشائعة لدى المدونين.

كلكم شعراء! فأين الغاوون؟

    إن كنت مهتما فسأتحدث هنا عن فن الكتابة، وعمن يحسن الظن بنفسه فيقول في سيرته الذاتية أنا شاعر أو اكتب الشعر -كما فعلت أنا- لذلك ساءلتهم: إن كنتم شعراء فأين هم الغاوون؟ وكذلك عن نصائح لكتابة أفضل ولو أن هناك إخوة سبقوني لذلك ولكن بالتكرار يتعلم الحمار فكيف بالإنسان… لنكن اكثر لباقة ولنقل أن الشيء إذا تكرر تقرر، ولن أكرر هكذا كببغاء ما سبقوا إليه ولكني أقول بغرور كامل، قول المعري:

   إني وإن كنت الاخير زمانه…  لآت بما لم تستطعه الأوائل

سيطول بنا الكلام، لأن السيل قد بلغ الزبى، وطمى الخطب حتى غاصت الركب، سأحاول تغيير طريقة كتابتك، في سلسلة بسيطة ومركزة حول الكتابة والقراءة معا،  سأجعل الموضوع أجزاء، وهذا ما ستحتويه إن شاء الله:

آية ومستملحة لكي تفهم العنوان.

يقول الله عز وجل في سورة الشعراء: “والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وانهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين أمنوا عملواالصالحات، وذكروا الله كثيراً، وانتصروا من بعد ما ظلموا” الآيات من 224 إلى 226.

لمح طامع متطفل، قوما يقصدون في المشي، فما ظن إلا انهم مدعوون لوليمة فاتبعهم، فلما دخلوا قصر الملك دخل معهم، فإذا هم شعراء قد قصدوا الملك بمدائحم وقريظهم، فلما انشد كل شاعر منهم شعره و اخذ جائزته، قال الملك لصاحبنا: هات، فقال: مه؟ قال الملك: أنشد شعرك، فقال للملك: ما انا بشاعر، وإنما أنا من الذين قال فيهم الله تعالى: “والشعراء يتبعهم الغاوون” فانا من الغاوين. ففغر الملك فاه ضاحكا، وأمر له بعطاء كعطايا الشعراء.

لحظة معشر المدونين، لماذا ندون؟

  مِن عزمي على إحداث أثر أنطلق، ومِن امر الله عز وجل إياي بالصدوح بالحق، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الساكت عن الحق شيطان أخرس، ومن حبي لكم معشر المدونين الأجلاء، مادمتم مع الحق!.. لست انصب نفسي حكما في هذه التدوينة لكن هي دعوة لي ولكل المدونين لإعادة النظر في ما يكتبون وما ينشرون، وأن نراجع دوافعنا للتدوين، والهدف المرجو منه.. لست أدعو هنا إلى فرض قوانين وهمية على مدوناتنا وأن نلزم انفسنا بقواعد معينة عند الكتابة، لكن على عكس الأخ سردال الذي لا يجد حتى الآن سبباً كافياً لكي نجعل عملية التدوين منظمة بقواعد محددة،  أنا أراها تحتاج إلى ذلك.. ليس تنظيما كنوع من التقنين وإحداث الدساتير البليدة، ولكن بنوع من المراجعة الذاتية.. حتى لا نجعل مدوناتنا -بعد أن ذقنا ذرعا بالمنتديات- منتدى كبيرا مليئا بالترهات والمواضيع المكررة.. باختصار شديد هذه نظرتي للتدوين وما ينبغي أن يكون عليه -برأيي-

لمن ندون، ولماذا ندون؟

  لا بد وأن كل منا -معشر المدونين- يحتفظ في شريط ذاكرته بلحظة بدايته للتدوين، وفرحته العارمة بكل تعليق أو زيارة جديدة لمدونته.. قليل منا فكر لمن يكتب، وما هي الشريحة التي ستزور مدونته، ومن هم هؤلاء الذين سيقرؤون له ويعجبون بما يكتبه، ويحدث فيهم أثرا ليعودوا للقراءة كل مرة، من المؤكد أنك إذا كتبت قصصا قصيرة للأطفال وكانت مفيدة حقا، فسيحرص كل أب غيور على كتابة رابط مدونتك في ورقة صغيرة وينصح طفله بزيارتها، لأنه فعلا أدرك أن طفله سيستفيد في كل مرة قرأ قصة جديدة من قصصك..

  لعلك اطلعت على مدونات يكتب فيها الأشخاص لأنفسهم، ولأفسهم فقط.. ماذا يفيد زائرك إخباره أنك تناولت زيتونا في فطورك، وأنه كان أسودا ولذيذا جدا… هناك فرق بين هذا وبين أن تخبره بفوائد الزيتون الأسود، ومذا يفيد زائرك أيضا إن أخبرته أنك سقطت في الحمام فجأة، وأن زوجتك خرجت بدون إذنك، سيدي هناك من يتابعون مدونات كهذه لكن فكر من هم وما قيمتهم، ولا تلق بالا لعددهم، فكر في الفائدة التي تقدمها للزائر وهل موضوعك فعلا سيحدث أثرا فيه، هل سيقدم له معلومة جديدة، هل سيغير نظرته لشيء ما، قبل أن تكتب موضوعك فكر في قيمته النفعية.. أحمق من يعمل شيئا، أو يفعل فعلا، وهو يعلم سلفا أن لا نفع فيه، أعلم أن الكثير من “المدونين” يكتبون فقط ليفجروا ما بداخلهم من هم وغم وفرح وسرور ويشاركوا به الآخرين.. قد يقدم هذا نفعا له ولمن حوله ولكن أليست كتابته في مدونة تحتوي مواضيع اخرى ذات وزن أثقل، شيئا تافها..

   يمكنك ذلك أخي لكن لم لا تجعل من الحديث عن أمورك الشخصية التي لا تهم الآخرين في مدونة شخصية، لأنك بذلك تحدد شريحة زوارها في المعارف والاصدقاء والفضوليين، وتريح زوار مدونتك العامة الذين لا يهمهم إلا الإستفادة من دروسك أو قصصك أو الإطلاع على إبداعاتك التقنية والفنية  والتصويرية والادبية، ستكون الأمور مفيدة لك ولهم، ومريحة أيضا بهذا الشكل.

  • المدونة الشخصية:
    • نوعية المواضيع شخصية
    • شريحة زوار محدودة أغلبها من المعارف والأصدقاء.. وبعض الفضوليين
  • المدونة العامة:

قد لا تكفيك مدونة واحدة أو مدونتين إن تعددت تخصصاتك، لا مانع من إنشاء أكثر من مدونة إن كان لديك الوقت والقدرة الكافيين.

عالم التدوين، المنتدى الكبير!

   بداية التدوين في عدة مجالات، وأغلبها التقني كان نفورا من المنتديات التي امتلأت بالغث والرخيص، وبالمواضيع التافهة والتكرار الممل والسرقات البشعة، وعدم التخصص، وإهمال المواضيع الجيدة… أرى ان التدوين يتجه لنفس الحالة شيئا فشيئا إذا لم نقم بوقفة جادة، ونراجع أنفسنا ومدوناتنا، فمن الحيف أن نصف كل موقع يستخدم برنامج تدوين كووردبريس “مدونة”، ونقول عن صاحبه مدونا.

   أصبح تصفح المنتديات كتصفح أقسام منتدى كبير، تمر بمواضيع جادة وما إن تنتقل إلى الموضوع التالي حتى تجده مليئا بالترهات، عذر المنتديات أن الموضوعين لكاتبين مختلفين، تكرار المواضيع ونقلها أصبح أكثر في المدونات، لا أفهم دوافع مدون يكتب موضوع قرأ عنه في مدونة اخرى، لا لينقله برؤيته هو ولكن فقط ليضيف موضوعا لمدونته مع التغيير في الأسلوب.

أسلحة بحدين: واجبات تدوينية، تبادل المواضيع، حملات التدوين.

   من الأشياء الجديدة في عالم التدوين، ما يسمى الواجبات التدوينية، يقوم أحد المدونين بكتابة أشياء محددة وعادة ماتكون أسئلة مرتبطة بموضوع معين، ويقوم بتمريرها عبر خاصية التعقيبات إلى مدونات أخرى، أرى أن هناك إيجابيات كثيرة في هذا الامر لكنها ليست أكثر من سلبياته، تكرار الموضوع في اكثر من مدونة بدون اختلاف يذكر، ولعل هذا الأمر وغيره هو ما جعل أكثر المدونات -كما كانت المنتديات- نسخا متشابهة مليئة بالترهات.

   من الأفكار التي يطرحها بعض المدونين تبادل المواضيع بين المدونات، لست أجد أي طائل من هذه الفكرة، خاصة وأن هناك مدونات جماعية متخصصة  كموقع المشروع و GadgetsArabia … أظن انها  تفي بالغرض العام للفكرة، أما تبادل الزوار وغيره فأعتقد ان الوقت قد حان لنغير فكرة جلب الزوار، بكتاباتك المميزة في مدونتك أنت، ستدفع كل المجتمعات الإلكترونية للكتابة عنها ووضع روابط لها، وكما يقال “مدح طالب المدح ذم”.

   كلَ ما حدث طارئ لأحد المدونين، تتناقل المدونات صورته أو صورة رمزية له، وينتشر الموضوع كأرانب اسطراليا، فتجدهم يضعون صورة فؤاد الفرحان، إذا غاب وإذا عاد، أو صورة هديل الحضيف إذا مرضت، هذا بالإضافة إلى الحملات الأخرى كأسبوع الفلة، و مين قال الإستقالة عيب، وغيرها من الحملات… أعتقد أن لكل هذه الحملات إيجابيات وسلبيات، ينبغي أن نتعامل معها بدون انجراف، لكل شيء مكانه والطريقة المثلى للتعامل معه، لا تكن إمعة وتكتب تدوينة جديدة فقط لتعلن أنك مع حملة ما، إذا لم تعرف حيثيات الحملة وأهدافها وتقتنع بها، فأرجوا أن لا تكتب عنها.

  

لنغيّر علاقتنا بالأرض!

أرض الشاون

  بالأمس كان يوم الأرض كما ارتأوا له، طالعتنا لوحات الجوجل والياهو وغيرها من المواقع العاليمة بلوحات تظهر تعلق الإنسان مهما كان “آليا” بالأرض.

  واليوم أحببت أن أدعو نفسي وإياكم إلى تغيير علاقتنا بالأرض، فطالما ترسب في أذهاننا -نحن العرب قبل الغرب- أن المسلم لا هم له إلا إسبال ثوبه وإرسال لحيته وإغلاق باب صومعته عليه، وأن العربي -بغبائه- لا يكترث لوسطه الخارجي، لا لذوبان الجليد ولا لثقب الأزون ولا الإنحباس الحراري.

   الرجل الكامل -كما المرأة الكاملة- في القرآن الكريم والسنة النبوية يحقق الإحسان في مستوياته الثلاث، مع الله عز وجل، ومع الناس، ومع الأشياء، فأول معاني الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، وثانيها الإحسان إلى الناس، الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين الأقرب فالأقرب، وثالثها إحسان الشيء والإحسان إليه، فإن عمل المرء عملا أتقنه وإن امتلك شيئا حفظه.

   تحولت رؤيتنا إلى الأرض من الرؤية الجمالية أولا وَمَكمَنِ للنعم، إلى مورد اقتصادي ومُستَنزَفٍ -على صيغة اسم المكان- للأموال، منذ أن قال الله عز وجل لبني إسرائيل اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، إلى أن قال الخبراء الإقتصاديون للسياسيين اهبطوا بغداد فإن لكم ما سألتم، ومنذ أن قال الله عز وجل “إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ” ، إلى أن قال بوش إن الحرب على العراق حققت اهدافها، وشتان بين القائلين..

   رؤيتنا الجديدة هذه نتجت عن قطيعتنا مع الفطرة، وزاد في هذه القطيعة تمركزنا في المدن وقصر دور الأرياف في الإنتاجية فقط، منذ أن غابت عظمت الأرض عن أذهاننا وعظمة خالقها أصبحنا لا نبالي بهذه الجزئية العظيمة، كأمر تعبدي أولا، وكفعل حضاري ثانيا، وللعودة إلى الفطرة علينا العودة إلى أساتذتها الاجلاء ولنسمع ثاني هؤلاء يوصي في جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما صادحا: لا تقتلوا امراة ولا شيخا ولا طفلا، ولا تعقروا نخلا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، وستجدون رجالا فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما أفرغوا أنفسهم له.

   إذا تمثلنا هذه الكلمات وأضفنا إليها ما يحدث في كل بلد احتوت حربا ولفظت آثارها، فهذه الأرض المباركة ينقعر فيها النخل ويجتث من أرضها الزيتون، ولكم أحرقت طائرات “المحررين” من مزارع ومساقي بين الرافدين، وكذا هجمة السكن على الخضرة أينما حلت، إذا تمثلنا ذلك كان حريا بنا أنا وأنت أن لا نؤذي شجرة ولا ندخن سيجارة ولا نهدر ماء ولو كنا على نهر جار، حري بنا أن نجثو على ركبنا نجمع القمامة من الطريق، ونضع نصب أعيننا أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة.

   آن لنا أن ندرك المعاني الجليلة لدروس الفطرة الإنسانية، وأن نتدبر آيات الله تعالى، ونسمو بالدين في أنفسنا من الإيثار الذي نفهمه إلى الإيثار الكوني، ومن التصرفات الحضارية كعادات راقية، إلى تصرفات راقية لكنها عبادات نجازى عليها قبل أن تكون عادات نتعود عليها.

 

 

 

أشياء مقدسة

بسم القدوس السلام، سلام تام على مولانا الإمام.

   الله نعم، حسبي ونعم الوكيل.. لكن لماذا أضيف إليه الوطن والملك، لماذا يصدح أبناؤنا كل يوم ب”الثالوث” أمام قطعة ثوب بالية في مدارس العامة، ومن حرير في الخاصة، لماذا نغرس في قلوب أبنائنا حبا لا يلبث أن تذبل بذوره حينما تلفح وجوههم نار هذا الملك وهذا الوطن، لماذا يكذب هذا وذاك حتى يكتب عند الله كذابا.. وعند الناس، ثم يعتلي المنابر يحدث عن حبه للوطن والملك..

   “وهكذا خرجت الجموع يا مولاي.. ملبية نداء البيعة والطاعة لحامي حمى الملة والدين، أمير المؤمنين، ووارث عرش أسلافه المنعمين… “

الله، الوطن الملك !

  أسماء اعلام ينبغي عليك الصياح بها لكي تثبت وطنيتك، عليك ترديدها لتسبح بحمد الولي، الله فيها ثالث ثلاثة، والوطن والملك في نفس القدسية، “حب الاوطان من الإيمان” حديث لا ادري مقامه بين الصحة والضعف عند اهل الفقه ولكني اعلم يقينا أنه لا يعني “حب الفقر من الإيمان” ولا يعني “حب التوريث من الإيمان” ولا يعني “حب الملوك من الإيمان”.

  ” لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ” لا تسجدوا للبشر، ولا تلبوا لغير الله تعالى، ولا تصدحوا بغير اسمه، نأبى تقبيل أيادي العلماء ونتكبر.. وننحني على يدي عبد من عباد الله ما له علينا من سلطان إلا أن دعانا فاستجبنا، استخفنا فأطعناه، وألقى أشراف القوم في غياهب السجون فسجدنا له شكرا على أن خلصنا من المصابين بداء فقدان الخلاعة المكتسبة، خلاعة اكتسبناها من الذين هتكوا أعراضنا في الحمراء وأمثالهم.. واكتسبناها بضعف منا وجبن وهوان..

  الوطن عندي ليس ترابا، بل شعب يأكل التراب جوعا وفقرا، سلني اخبرك عمن لا يجد اللقمة يملأ جوفه بها، وهم أكثر القوم، وسلني اخبرك عن الشركات المتعددة الجنسيات في البيضاء وفي طنجة، جاءت إليها السواعد تعمل كي تعيش، فإذا بها تعيش كي تعمل -وفقط لتعمل-، لست هنا لسرد الارقام فهي ليست غايتي، حسبي أنين واحد من هؤلاء أسمعه، فكيف وهم بالآلاف.

  لهؤلاء أكتب، لهؤلاء الذين ينتظرون ما يشبه الراتب ليدفعوا أجرة المسكن، والمأكل والمشرب لا غير ثم يؤجلوا بعض الديون إلى أن يقضي الله امرا كان مفعولا… لهؤلاء اللواتي هجرن بيوت أهليهن وتغربن فإذا الميوعة والخلاعة والذئاب تصيدت منهن ما قد بقي… من ماذا؟ من شرف إذا صح الكلام. للواتي ولدنهن واحترقن في الحمل تسعة أشهر وفي كسب العيش دهرا كي ينشؤوا ما كان يسمى ذات يوم فتاة.

  ويعود أحدهم من الشركة حاملا هما وغما وبينا هو في الشارع يلقي بصره على التلفاز ليلمح رب البيت يجول في البلاد، ويصنع السياحة، ويمنح المساكن للفقراء والاجراء كي يسحبها ولاته بعد أن تسجل اللقطة، أو يجمعوا بين أسر ثلاث في بيت من غرفتين، أصبح الفقر رجلا يا عمر… بل رجالا.

لنعد ترتيب الاشياء المقدسة، الله لأنه هو القدوس السلام

ونبيه لأنه خير خلق الله وهو الذي لا ينطق عن الهوى

وأولياء الله من العلماء العالمين، لما ورثوا من النبوة

والشعب لأن حرمة ابن آدم عند الله كحرمة البيت الحرام

 

مشهد عزة !!

  هذه التدوينة هي الاولى في سياقها، مجموعة قصص قصيرة جدا، تعطي نماذج لمشاهد في عالمنا، ولنبدأ من أشراف الامة.

مشهد عزة !!

  ركز بصره على حذائه العسكري الأسود، وأخذ يرفعه بحركة تحمل ما تحمله من عزة وكبرياء، تجاوز الحذاء ليمعن النظر في البذلة الخضراء وقد شابها بعض الحمرة من أثر الجرح في رأس العسكري نفسه، الآن فقط أفرج وجه الطفل عن ابسامة مشرقة رغم أن يد العسكري لا تفارق رقبته، وتحكم الخناق عليه.. بثوبه.

    وأخيرا استقر بصره عند حزام العسكري، ولأنه ألف مشاهدته عن قرب مرات ومرات، لاحظ أن عصا كان يعلقها عليه غابت عنه للتو، رفع رأسه أعلى لكن ذلك لم يستمر فقد هوت عليه وألقته أرضا.

  سارع الرجل ذو البدلة العسكرية، وأدار الطفل على بطنه، وجمع ذراعيه خلف ظهره بجرأة قلما يلحظها الأطفال في أمثاله، فأول ما سمعوه في أحضان أمهاتهم وفي مدارسهم أن أجبن القوم بني صهيون..  أحكم وثاقه وأوقفه ليقوده إلى سيارة تقف بزاوية لسيت ببعيدة، ليس عليه إلا أن يتجاوز سحابة الدخان التي سببتها الإطارات المحترقة، وأن يتبين موضع قدمه في كل خطوة لأن حجارة الأطفال تملأ الأرض.. وتملأ السماء.

 في تلك الخطوات القليلة، بين زاويتين في زقاق ضيق، كان وجه العسكري يزيد احتقانا ووجه الطفل يزيد إشراقا، قلب الاول يكاد ينخلع من مكانه ورأسه لا يكاد يعلو وإن غطته كتلة من حديد، والطفل يبتسم في مشهد يستحيل على أبرع المخرجين تمثيله، ابتسامته تلك تحمل من الغرابة الكثير، أسنانه تطل أسفل شفتيه رويدا وكأنها شمس غزة تشرق من شاطئها، يعض على طرف شفته وكأنه مصعب يحمل اللواء.

  أخيرا وصلا إلى مؤخرة السيارة، ثلاثة من رفاق الطفل في السيارة تحيط بأعناقهم، ثلاثة أذرعة وثلاثة اخرى تهوي عليهم من كل صوب، دفعه قليلا إلى السيارة، فرفع الطفل قدمه اليسرى وضعه على حاشية السيارة، واتكأ عليها ليرفع الثانية…

  في هذه الثواني القلائل كان عقل العسكري يدير شريطا من الصور، السيارة تلاحق الأطفال، الأطفال يلاحقون السيارة، الجندي يتقدم إلى الزاوية وقد التصق جسده بالجدار، والطفل يتقدم إلى الزاوية نفسها  بحجارته، الاول يحمل درعا ويغطي رأسه بكتلة من الحديد، والثاني ينتظر إطلالة رأسه من الزاوية ليهوي عليها لما في يده..  الآن فقط أدرك سر ابتسامته عندما لمح بقع الدم على بدلته.

  قاطعت ضربة اخرى على وجهه شريط التفكير، وأحالت الصور إلى ظلام دامس، فوت عليه الطفل أرفع مشاهد العزة، فاته أن يشاهد الطفل وهو يرتد بعد أن استقرت قدمه الثانية على حاشية السيارة ويضربه برأسه في صفحة وجهه، فاته أن يرى نفسه وهو يسقط أرضا لكنه حتما احس بذلك، فاته أن يرى الرصاصة تستقر في صدر الفتى.. لكنه سمعها.

 

كل ما في قلبك أثر

     قلبك أنت، في كل كرية دم حمراء يحمل أثرا من لفحة أو نفحة في موقف ما من حياتك، ماذا أنت؟ فكر مليا ولا تجب لأنك إن أجبت ستكون أجبت لأثر السؤال في نفسك، فالإجابة أثر للسؤال.. تحمل انفعالا معينا بحسب قيمة السؤال في نفسك، يمس جزئيات التكوين وماهية الذات، فلو سألتك مثلا، هل أنت مسلم حقا، أعتقد أن الدماء ستتجمع في وجهك إن كنت لا تصلي مثلا وتود الإجابة بنعم.

   أو لعلي حين ألمح فيك ذكاء في الإجابة، أبادر بسؤال آخر وأقول، يبدو من ذكائك أنك لست عربيا، أليس كذلك؟ إن كنت قرأت هذه البيت للشاعر لأحمد مطر، فستعلم قصدي من السؤال:  قال الصبي للحمار يا غبي !! قال الحمار للفتى يا عربي !

  قبل أن نستكمل، حاول أن تزود مادتك الرمادية بما قالته الأعرابية التي سئلت عن دليل وجود الله ؟ فقالت: “البعرة تدل على البعير .. والأثر يدل على المسير .. فسماء ذات أبراج .. وأرض ذات فجاج .. ألا تدل على العليم الخبير ..”

أبدأ الكتابة وأملي أن أحدث أثرا، فيك وفي نفسي.. سأحدثه شئت ام أبيت، لأني لست اهون من حبل ولست أصلب من صخره، وهذا يحدث أثرا في تلك، الاثر فيك لك لا لي فأنا اكتب لكلينا وأخط لكلينا.

من أنا؟

 أدعى أبا أثر إلى حين، درست العلوم الرياضية وأشبعت برموزها، وطالما تهت في سراديبها، واستهواني الأدب وضروبه ودروبه، فنظمت شعره قصائد لا زلت لا أتفن فنها لكني أفخر بها، أنقر على فأرة الحاسب منذ سبع سنين وليست بالكثيرة، ساخر برأي الكثيرين، لكني لا أرى ذلك لنفسي إلا إذا كان نقد الذات والغير سخرية فنعم، أحب في الله وأبغض فيه، ولا أحمل في غيره ودا ولا ضرارا،  ستعرفني إذا قرأت ما أكتب من اليوم.. فما عرفتَ إلا من تكلم.

ماذا سأكتب؟

إذا عرفت من أنا ستعرف ماذا سأكتب، وإن قرأت ما اكتب عرفت من أنا، لعل الجديد هنا اني سأجمع بين الأدب والتطوير والتغيير  في ضوء من فطرة الله التي فطر الناس عليها، أما إن سألت تطوير ماذا وتغيير ماذا؟ فلك الحق في ذلك.

سأكتب بغية التغيير والتطوير في كل شيء: في ذاتك أنت وذاتي أنا وفي مجتمعنا، في تصميم مواقعنا، في تعاملنا مع حواسبنا، وأجهزتنا واستثمارها للتطوير والتغيير ذاته، هي حلقة لكنها ليست مفرغة، التقنية والادب والفطرة تشكل حلقة تماثل الثقب الأسود في اتساعها وغموضها.

كنت أكتب بإسمي الشخصي إلى حين، مقتديا في ذلك بأمثال عبد الله المهيري  و أسامة الزبيدي و فؤاد الفرحان  من المشارقة و محمد سعيد احجيوج و محمد بنسعيد  من المغاربة..  وغيرهم من الأصوات الحرة التي صدحت بالتغيير في التقنية والادب والسياسة، لكن لو اطلعت على حال ثلاثة من هؤلاء لعرفت السر في أن ألجأ إلى هذه الخلوة هنا، هي خلوة في جلوة، خلوة عن مزامير الحكام وطبولهم، وخلوة عن كلاب الصهيونية وعملائها، لكن فيجلوة أهل الحق وأبطاله الفطاحل..

أرجو أن تكون معي إذن!