أثر

ما أفلحت إن لم أحدث أثرا

أرشيف شهر أبريل, 2008

لنغيّر علاقتنا بالأرض!

أرض الشاون

  بالأمس كان يوم الأرض كما ارتأوا له، طالعتنا لوحات الجوجل والياهو وغيرها من المواقع العاليمة بلوحات تظهر تعلق الإنسان مهما كان “آليا” بالأرض.

  واليوم أحببت أن أدعو نفسي وإياكم إلى تغيير علاقتنا بالأرض، فطالما ترسب في أذهاننا -نحن العرب قبل الغرب- أن المسلم لا هم له إلا إسبال ثوبه وإرسال لحيته وإغلاق باب صومعته عليه، وأن العربي -بغبائه- لا يكترث لوسطه الخارجي، لا لذوبان الجليد ولا لثقب الأزون ولا الإنحباس الحراري.

   الرجل الكامل -كما المرأة الكاملة- في القرآن الكريم والسنة النبوية يحقق الإحسان في مستوياته الثلاث، مع الله عز وجل، ومع الناس، ومع الأشياء، فأول معاني الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، وثانيها الإحسان إلى الناس، الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين الأقرب فالأقرب، وثالثها إحسان الشيء والإحسان إليه، فإن عمل المرء عملا أتقنه وإن امتلك شيئا حفظه.

   تحولت رؤيتنا إلى الأرض من الرؤية الجمالية أولا وَمَكمَنِ للنعم، إلى مورد اقتصادي ومُستَنزَفٍ -على صيغة اسم المكان- للأموال، منذ أن قال الله عز وجل لبني إسرائيل اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، إلى أن قال الخبراء الإقتصاديون للسياسيين اهبطوا بغداد فإن لكم ما سألتم، ومنذ أن قال الله عز وجل “إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ” ، إلى أن قال بوش إن الحرب على العراق حققت اهدافها، وشتان بين القائلين..

   رؤيتنا الجديدة هذه نتجت عن قطيعتنا مع الفطرة، وزاد في هذه القطيعة تمركزنا في المدن وقصر دور الأرياف في الإنتاجية فقط، منذ أن غابت عظمت الأرض عن أذهاننا وعظمة خالقها أصبحنا لا نبالي بهذه الجزئية العظيمة، كأمر تعبدي أولا، وكفعل حضاري ثانيا، وللعودة إلى الفطرة علينا العودة إلى أساتذتها الاجلاء ولنسمع ثاني هؤلاء يوصي في جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما صادحا: لا تقتلوا امراة ولا شيخا ولا طفلا، ولا تعقروا نخلا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، وستجدون رجالا فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما أفرغوا أنفسهم له.

   إذا تمثلنا هذه الكلمات وأضفنا إليها ما يحدث في كل بلد احتوت حربا ولفظت آثارها، فهذه الأرض المباركة ينقعر فيها النخل ويجتث من أرضها الزيتون، ولكم أحرقت طائرات “المحررين” من مزارع ومساقي بين الرافدين، وكذا هجمة السكن على الخضرة أينما حلت، إذا تمثلنا ذلك كان حريا بنا أنا وأنت أن لا نؤذي شجرة ولا ندخن سيجارة ولا نهدر ماء ولو كنا على نهر جار، حري بنا أن نجثو على ركبنا نجمع القمامة من الطريق، ونضع نصب أعيننا أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة.

   آن لنا أن ندرك المعاني الجليلة لدروس الفطرة الإنسانية، وأن نتدبر آيات الله تعالى، ونسمو بالدين في أنفسنا من الإيثار الذي نفهمه إلى الإيثار الكوني، ومن التصرفات الحضارية كعادات راقية، إلى تصرفات راقية لكنها عبادات نجازى عليها قبل أن تكون عادات نتعود عليها.

 

 

 

أشياء مقدسة

بسم القدوس السلام، سلام تام على مولانا الإمام.

   الله نعم، حسبي ونعم الوكيل.. لكن لماذا أضيف إليه الوطن والملك، لماذا يصدح أبناؤنا كل يوم ب”الثالوث” أمام قطعة ثوب بالية في مدارس العامة، ومن حرير في الخاصة، لماذا نغرس في قلوب أبنائنا حبا لا يلبث أن تذبل بذوره حينما تلفح وجوههم نار هذا الملك وهذا الوطن، لماذا يكذب هذا وذاك حتى يكتب عند الله كذابا.. وعند الناس، ثم يعتلي المنابر يحدث عن حبه للوطن والملك..

   “وهكذا خرجت الجموع يا مولاي.. ملبية نداء البيعة والطاعة لحامي حمى الملة والدين، أمير المؤمنين، ووارث عرش أسلافه المنعمين… “

الله، الوطن الملك !

  أسماء اعلام ينبغي عليك الصياح بها لكي تثبت وطنيتك، عليك ترديدها لتسبح بحمد الولي، الله فيها ثالث ثلاثة، والوطن والملك في نفس القدسية، “حب الاوطان من الإيمان” حديث لا ادري مقامه بين الصحة والضعف عند اهل الفقه ولكني اعلم يقينا أنه لا يعني “حب الفقر من الإيمان” ولا يعني “حب التوريث من الإيمان” ولا يعني “حب الملوك من الإيمان”.

  ” لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ” لا تسجدوا للبشر، ولا تلبوا لغير الله تعالى، ولا تصدحوا بغير اسمه، نأبى تقبيل أيادي العلماء ونتكبر.. وننحني على يدي عبد من عباد الله ما له علينا من سلطان إلا أن دعانا فاستجبنا، استخفنا فأطعناه، وألقى أشراف القوم في غياهب السجون فسجدنا له شكرا على أن خلصنا من المصابين بداء فقدان الخلاعة المكتسبة، خلاعة اكتسبناها من الذين هتكوا أعراضنا في الحمراء وأمثالهم.. واكتسبناها بضعف منا وجبن وهوان..

  الوطن عندي ليس ترابا، بل شعب يأكل التراب جوعا وفقرا، سلني اخبرك عمن لا يجد اللقمة يملأ جوفه بها، وهم أكثر القوم، وسلني اخبرك عن الشركات المتعددة الجنسيات في البيضاء وفي طنجة، جاءت إليها السواعد تعمل كي تعيش، فإذا بها تعيش كي تعمل -وفقط لتعمل-، لست هنا لسرد الارقام فهي ليست غايتي، حسبي أنين واحد من هؤلاء أسمعه، فكيف وهم بالآلاف.

  لهؤلاء أكتب، لهؤلاء الذين ينتظرون ما يشبه الراتب ليدفعوا أجرة المسكن، والمأكل والمشرب لا غير ثم يؤجلوا بعض الديون إلى أن يقضي الله امرا كان مفعولا… لهؤلاء اللواتي هجرن بيوت أهليهن وتغربن فإذا الميوعة والخلاعة والذئاب تصيدت منهن ما قد بقي… من ماذا؟ من شرف إذا صح الكلام. للواتي ولدنهن واحترقن في الحمل تسعة أشهر وفي كسب العيش دهرا كي ينشؤوا ما كان يسمى ذات يوم فتاة.

  ويعود أحدهم من الشركة حاملا هما وغما وبينا هو في الشارع يلقي بصره على التلفاز ليلمح رب البيت يجول في البلاد، ويصنع السياحة، ويمنح المساكن للفقراء والاجراء كي يسحبها ولاته بعد أن تسجل اللقطة، أو يجمعوا بين أسر ثلاث في بيت من غرفتين، أصبح الفقر رجلا يا عمر… بل رجالا.

لنعد ترتيب الاشياء المقدسة، الله لأنه هو القدوس السلام

ونبيه لأنه خير خلق الله وهو الذي لا ينطق عن الهوى

وأولياء الله من العلماء العالمين، لما ورثوا من النبوة

والشعب لأن حرمة ابن آدم عند الله كحرمة البيت الحرام

 

مشهد عزة !!

  هذه التدوينة هي الاولى في سياقها، مجموعة قصص قصيرة جدا، تعطي نماذج لمشاهد في عالمنا، ولنبدأ من أشراف الامة.

مشهد عزة !!

  ركز بصره على حذائه العسكري الأسود، وأخذ يرفعه بحركة تحمل ما تحمله من عزة وكبرياء، تجاوز الحذاء ليمعن النظر في البذلة الخضراء وقد شابها بعض الحمرة من أثر الجرح في رأس العسكري نفسه، الآن فقط أفرج وجه الطفل عن ابسامة مشرقة رغم أن يد العسكري لا تفارق رقبته، وتحكم الخناق عليه.. بثوبه.

    وأخيرا استقر بصره عند حزام العسكري، ولأنه ألف مشاهدته عن قرب مرات ومرات، لاحظ أن عصا كان يعلقها عليه غابت عنه للتو، رفع رأسه أعلى لكن ذلك لم يستمر فقد هوت عليه وألقته أرضا.

  سارع الرجل ذو البدلة العسكرية، وأدار الطفل على بطنه، وجمع ذراعيه خلف ظهره بجرأة قلما يلحظها الأطفال في أمثاله، فأول ما سمعوه في أحضان أمهاتهم وفي مدارسهم أن أجبن القوم بني صهيون..  أحكم وثاقه وأوقفه ليقوده إلى سيارة تقف بزاوية لسيت ببعيدة، ليس عليه إلا أن يتجاوز سحابة الدخان التي سببتها الإطارات المحترقة، وأن يتبين موضع قدمه في كل خطوة لأن حجارة الأطفال تملأ الأرض.. وتملأ السماء.

 في تلك الخطوات القليلة، بين زاويتين في زقاق ضيق، كان وجه العسكري يزيد احتقانا ووجه الطفل يزيد إشراقا، قلب الاول يكاد ينخلع من مكانه ورأسه لا يكاد يعلو وإن غطته كتلة من حديد، والطفل يبتسم في مشهد يستحيل على أبرع المخرجين تمثيله، ابتسامته تلك تحمل من الغرابة الكثير، أسنانه تطل أسفل شفتيه رويدا وكأنها شمس غزة تشرق من شاطئها، يعض على طرف شفته وكأنه مصعب يحمل اللواء.

  أخيرا وصلا إلى مؤخرة السيارة، ثلاثة من رفاق الطفل في السيارة تحيط بأعناقهم، ثلاثة أذرعة وثلاثة اخرى تهوي عليهم من كل صوب، دفعه قليلا إلى السيارة، فرفع الطفل قدمه اليسرى وضعه على حاشية السيارة، واتكأ عليها ليرفع الثانية…

  في هذه الثواني القلائل كان عقل العسكري يدير شريطا من الصور، السيارة تلاحق الأطفال، الأطفال يلاحقون السيارة، الجندي يتقدم إلى الزاوية وقد التصق جسده بالجدار، والطفل يتقدم إلى الزاوية نفسها  بحجارته، الاول يحمل درعا ويغطي رأسه بكتلة من الحديد، والثاني ينتظر إطلالة رأسه من الزاوية ليهوي عليها لما في يده..  الآن فقط أدرك سر ابتسامته عندما لمح بقع الدم على بدلته.

  قاطعت ضربة اخرى على وجهه شريط التفكير، وأحالت الصور إلى ظلام دامس، فوت عليه الطفل أرفع مشاهد العزة، فاته أن يشاهد الطفل وهو يرتد بعد أن استقرت قدمه الثانية على حاشية السيارة ويضربه برأسه في صفحة وجهه، فاته أن يرى نفسه وهو يسقط أرضا لكنه حتما احس بذلك، فاته أن يرى الرصاصة تستقر في صدر الفتى.. لكنه سمعها.

 

كل ما في قلبك أثر

     قلبك أنت، في كل كرية دم حمراء يحمل أثرا من لفحة أو نفحة في موقف ما من حياتك، ماذا أنت؟ فكر مليا ولا تجب لأنك إن أجبت ستكون أجبت لأثر السؤال في نفسك، فالإجابة أثر للسؤال.. تحمل انفعالا معينا بحسب قيمة السؤال في نفسك، يمس جزئيات التكوين وماهية الذات، فلو سألتك مثلا، هل أنت مسلم حقا، أعتقد أن الدماء ستتجمع في وجهك إن كنت لا تصلي مثلا وتود الإجابة بنعم.

   أو لعلي حين ألمح فيك ذكاء في الإجابة، أبادر بسؤال آخر وأقول، يبدو من ذكائك أنك لست عربيا، أليس كذلك؟ إن كنت قرأت هذه البيت للشاعر لأحمد مطر، فستعلم قصدي من السؤال:  قال الصبي للحمار يا غبي !! قال الحمار للفتى يا عربي !

  قبل أن نستكمل، حاول أن تزود مادتك الرمادية بما قالته الأعرابية التي سئلت عن دليل وجود الله ؟ فقالت: “البعرة تدل على البعير .. والأثر يدل على المسير .. فسماء ذات أبراج .. وأرض ذات فجاج .. ألا تدل على العليم الخبير ..”

أبدأ الكتابة وأملي أن أحدث أثرا، فيك وفي نفسي.. سأحدثه شئت ام أبيت، لأني لست اهون من حبل ولست أصلب من صخره، وهذا يحدث أثرا في تلك، الاثر فيك لك لا لي فأنا اكتب لكلينا وأخط لكلينا.

من أنا؟

 أدعى أبا أثر إلى حين، درست العلوم الرياضية وأشبعت برموزها، وطالما تهت في سراديبها، واستهواني الأدب وضروبه ودروبه، فنظمت شعره قصائد لا زلت لا أتفن فنها لكني أفخر بها، أنقر على فأرة الحاسب منذ سبع سنين وليست بالكثيرة، ساخر برأي الكثيرين، لكني لا أرى ذلك لنفسي إلا إذا كان نقد الذات والغير سخرية فنعم، أحب في الله وأبغض فيه، ولا أحمل في غيره ودا ولا ضرارا،  ستعرفني إذا قرأت ما أكتب من اليوم.. فما عرفتَ إلا من تكلم.

ماذا سأكتب؟

إذا عرفت من أنا ستعرف ماذا سأكتب، وإن قرأت ما اكتب عرفت من أنا، لعل الجديد هنا اني سأجمع بين الأدب والتطوير والتغيير  في ضوء من فطرة الله التي فطر الناس عليها، أما إن سألت تطوير ماذا وتغيير ماذا؟ فلك الحق في ذلك.

سأكتب بغية التغيير والتطوير في كل شيء: في ذاتك أنت وذاتي أنا وفي مجتمعنا، في تصميم مواقعنا، في تعاملنا مع حواسبنا، وأجهزتنا واستثمارها للتطوير والتغيير ذاته، هي حلقة لكنها ليست مفرغة، التقنية والادب والفطرة تشكل حلقة تماثل الثقب الأسود في اتساعها وغموضها.

كنت أكتب بإسمي الشخصي إلى حين، مقتديا في ذلك بأمثال عبد الله المهيري  و أسامة الزبيدي و فؤاد الفرحان  من المشارقة و محمد سعيد احجيوج و محمد بنسعيد  من المغاربة..  وغيرهم من الأصوات الحرة التي صدحت بالتغيير في التقنية والادب والسياسة، لكن لو اطلعت على حال ثلاثة من هؤلاء لعرفت السر في أن ألجأ إلى هذه الخلوة هنا، هي خلوة في جلوة، خلوة عن مزامير الحكام وطبولهم، وخلوة عن كلاب الصهيونية وعملائها، لكن فيجلوة أهل الحق وأبطاله الفطاحل..

أرجو أن تكون معي إذن!