هذه التدوينة هي الاولى في سياقها، مجموعة قصص قصيرة جدا، تعطي نماذج لمشاهد في عالمنا، ولنبدأ من أشراف الامة.
مشهد عزة !!
ركز بصره على حذائه العسكري الأسود، وأخذ يرفعه بحركة تحمل ما تحمله من عزة وكبرياء، تجاوز الحذاء ليمعن النظر في البذلة الخضراء وقد شابها بعض الحمرة من أثر الجرح في رأس العسكري نفسه، الآن فقط أفرج وجه الطفل عن ابسامة مشرقة رغم أن يد العسكري لا تفارق رقبته، وتحكم الخناق عليه.. بثوبه.
وأخيرا استقر بصره عند حزام العسكري، ولأنه ألف مشاهدته عن قرب مرات ومرات، لاحظ أن عصا كان يعلقها عليه غابت عنه للتو، رفع رأسه أعلى لكن ذلك لم يستمر فقد هوت عليه وألقته أرضا.
سارع الرجل ذو البدلة العسكرية، وأدار الطفل على بطنه، وجمع ذراعيه خلف ظهره بجرأة قلما يلحظها الأطفال في أمثاله، فأول ما سمعوه في أحضان أمهاتهم وفي مدارسهم أن أجبن القوم بني صهيون.. أحكم وثاقه وأوقفه ليقوده إلى سيارة تقف بزاوية لسيت ببعيدة، ليس عليه إلا أن يتجاوز سحابة الدخان التي سببتها الإطارات المحترقة، وأن يتبين موضع قدمه في كل خطوة لأن حجارة الأطفال تملأ الأرض.. وتملأ السماء.
في تلك الخطوات القليلة، بين زاويتين في زقاق ضيق، كان وجه العسكري يزيد احتقانا ووجه الطفل يزيد إشراقا، قلب الاول يكاد ينخلع من مكانه ورأسه لا يكاد يعلو وإن غطته كتلة من حديد، والطفل يبتسم في مشهد يستحيل على أبرع المخرجين تمثيله، ابتسامته تلك تحمل من الغرابة الكثير، أسنانه تطل أسفل شفتيه رويدا وكأنها شمس غزة تشرق من شاطئها، يعض على طرف شفته وكأنه مصعب يحمل اللواء.
أخيرا وصلا إلى مؤخرة السيارة، ثلاثة من رفاق الطفل في السيارة تحيط بأعناقهم، ثلاثة أذرعة وثلاثة اخرى تهوي عليهم من كل صوب، دفعه قليلا إلى السيارة، فرفع الطفل قدمه اليسرى وضعه على حاشية السيارة، واتكأ عليها ليرفع الثانية…
في هذه الثواني القلائل كان عقل العسكري يدير شريطا من الصور، السيارة تلاحق الأطفال، الأطفال يلاحقون السيارة، الجندي يتقدم إلى الزاوية وقد التصق جسده بالجدار، والطفل يتقدم إلى الزاوية نفسها بحجارته، الاول يحمل درعا ويغطي رأسه بكتلة من الحديد، والثاني ينتظر إطلالة رأسه من الزاوية ليهوي عليها لما في يده.. الآن فقط أدرك سر ابتسامته عندما لمح بقع الدم على بدلته.
قاطعت ضربة اخرى على وجهه شريط التفكير، وأحالت الصور إلى ظلام دامس، فوت عليه الطفل أرفع مشاهد العزة، فاته أن يشاهد الطفل وهو يرتد بعد أن استقرت قدمه الثانية على حاشية السيارة ويضربه برأسه في صفحة وجهه، فاته أن يرى نفسه وهو يسقط أرضا لكنه حتما احس بذلك، فاته أن يرى الرصاصة تستقر في صدر الفتى.. لكنه سمعها.
دعني أسألك سؤالا واحدا بسيطا قبل أن نسترسل في النقاش، لماذا تصر على كلمة “قصيرة جدا”،لقد لاحظت هذا منذ سنتين تقريبا عند إخواننا المشارقة، خاصة من السعودية وبلدان الخليج العربي، وقد قرأت الكثير عن قصة “القصيرة جدا” هذه ولم أصل بعد إلى درجة اليقين في ما يتعلق بالخصوصيات التي تميز هذا الجنس، فهل لك أن تفيدنا في هذا الموضوع.